عثمان بن جني ( ابن جني )

285

الخصائص

وعارضتها رهوا على متتابع * شديد القصيرى خارجىّ محنب " 1 " والثالث ما في ذلك من الإيجاز والاختصار ، وذلك أنك تقول للواحد : صه ، وللاثنين : صه و ( للجماعة : صه ) ، وللمؤنث . ولو أردت المثال نفسه وجب فيه التثنية والجمع والتأنيث ، وأن تقول : اسكتّا ( واسكتوا ) واسكتى واسكتن . وكذلك جميع الباب . فلمّا اجتمع في تسمية هذه الأفعال ما ذكرناه من الاتساع ومن الإيجاز ومن المبالغة ، عدلوا إليها بما ذكرنا من حالها . ومع ذلك فإنهم أبعدوا أحوالها من أحوال الفعل المسمى بها ، وتناسوا تصريفه ، لتناسيهم حروفه . يدلّ على ذلك أنك لا تقول : صه فتسلم ؛ كما تقول : اسكت فتسلم ، ولامه فتستريح ، كما تقول : اكفف فتستريح . وذلك أنك إذا أجبت بالفاء فإنك إنما تنصب لتصوّرك في الأوّل معنى المصدر ، وإنما يصحّ ذلك لاستدلالك عليه بلفظ فعله ؛ ألا تراك إذا قلت : زرني فأكرمك ، فإنك إنما نصبته ، لأنك تصوّرت فيه : لتكن زيارة منك فإكرام منّى . ف ( زرني ) دلّ على الزيارة ، لأنه من لفظه ، فدلّ الفعل على مصدره ، كقولهم : من كذب كان شرّا له ، أي كان الكذب ؛ فأضمر الكذب لدلالة فعله - وهو كذب - عليه ، وليس كذلك صه ، لأنه ليس من الفعل في قبيل ولا دبير " 2 " ، وإنما هو صوت أوقع موقع حروف الفعل ، فإذا لم يكن صه فعلا ولا من لفظه قبح أن يستنبط منه معنى المصدر لبعده عنه . فإن قلت : فقد تقول : أين بيتك فأزورك ، وكم مالك فأزيدك عليه ، فتعطف بالفعل المنصوب وليس قبله فعل ولا مصدر ، فما الفرق بين " ذلك وبين صه " ؟ قيل : هذا كلام محمول على معناه ؛ ألا ترى أن قولك : " أين بيتك " قد دخله معنى أخبرني ، فكأنه قال : ليكن منك تعريف لي ومنّى زيارة لك .

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لطفيل الغنوي في ديوانه ص 26 ، ولسان العرب ( خرج ) ، ومقاييس اللغة 4 / 272 ، وكتاب الجيم 2 / 24 ، وتاج العروس ( خرج ) ، ( عض ) . الرهو من الأضداد ، يكون السير السهل ويكون السريع ، والمقصود هنا : السير السهل والقصيرى : ضلع الخلف . والمحنب : الذي في ذراعه ما يشبه التحدّب . ( 2 ) أصل هذا المثل : ما يعرف قبيلا من دبير ، والقبيل : القبل ، والدبير : الدبر .